الشنقيطي
222
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يشابهونهم في مقالتهم ، وهذا القدر اتصف به المشركون من أنواع الشرك . الثاني : تذييل الآية بصيغة المضارع عما يشركون بين ما وصف عبدة الأوثان في سورة البينة بالاسم والمشركين . ومعلوم أن صيغة الفعل تدل على التجدد والحدوث ، وصيغة الاسم تدل على الدوام والثبوت ، فمشركو مكة وغيرهم دائمون على الإشراك وعبادة الأصنام ، وأهل الكتاب يقع منهم حينا وحينا . وقد اخذ بعض العلماء : أن الكفر ملة واحدة ، فورث الجميع من بعض ، ومنع الآخرون على أساس المغايرة والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه بقي المجوس وجاءت السنة أنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب لحديث : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » « 1 » . وقوله تعالى : مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ، اختلف في منفكين اختلافا كثيرا عند جميع المفسرين ، حتى قال الفخر الرازي عند أول هذه السورة ما نصه : قال الواحدي في كتاب البسيط : هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظما وتفسيرا ، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء . ثم إنه رحمه اللّه لم يلخص كيفية الإشكال فيها . وأنا أقول وجه الإشكال : أن تقدير الآية : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ، التي هي الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ثم إنه لم يذكر أنهم منفكون عماذا لكنه معلوم ، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه . فصار التقدير : لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة ، التي هي الرسول ، ثم قال بعد ذلك وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ، وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام ، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية تناقض في الظاهر ، هذا منتهى الإشكال فيما أظن . ا ه . حرفيا .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .